Wednesday, September 5, 2007

مقال عدنان احمد حسين عن ايثاكا في القدس العربي

ينطوي ميثاق السيرة الذاتية الأصيلة علي عَقْدٍ حقيقي بين الكاتب والقارئ مفادهُ الوعد بالكشف عن الذات بكل دهاليزها ومنعرجاتها ومناطقها السرّية المُعاشة، فكيف إذا كانت هذه السيرة سيرة ذاتية- روائية تجمع بين الواقع والخيال، والحقيقة والافتراض، والسرد القصصي والتكثيف الشعري، إضافة الي عناصر معروفة في البناء السيري الروائي كالاسترسال في البوح، وعدم قمع الكائن السيري لكي يقول ما لا يُقال، ويفكر في اللامُفكَّر فيه، ويعرِّي المحجوب، ويُفصح عن المسكوت عنه. وعلي الرغم من أن الكاتب رؤوف مسعد قد دمغَ نصه الإبداعي الجديد إيثاكا بأنه رواية، وليس سيرة ذاتية - روائية خلافاً لواقع الحال فإنني أضع هذا التصنيف في إطار الخطأ التجنيسي الذي يقع فيه كثير من الكُتاب و النُقاد العرب. فهذا الكتاب هو أنموذج للسيرة الذاتية- الروائية التي تتمحور حول شخصية الكائن السيري الذي يستعين ببعض الشخصيات الأُخري التي جرّدها عمداً من الأسماء مثل المُرمِّم شين و الطبيبة النفسانية و الطبيب النفساني و الخواجة اليوناني و فتاة الكورنيش و صاحب البنسيون وزوجته و المعلِّمة السويسرية إضافة الي شخصيات حقيقية أو تحمل أسماء علم مثل سعاد حسني، وناتاشا، وإيروسا، وعشتار، وإيزيس وأخريات. ولعل من المفيد هنا الإشارة الي أن تقنية استدعاء سعاد حسني بوصفها حافظة أمينة لأسماء الشهداء و القَتَلَة قد غيّرت مسار النص، وأضفت عليه طابعاً سحرياً وفنتازياً، ولولا هذه التقنية الغرائبية لما استطاع رؤوف مسعد أن ينقلنا الي العالم الآخر، اللامرئي، الغامض. وبفضل سعاد حسني، الحاضرة الغائبة، التي لقّنته الأسماء، جهَّز الراوي قاربه، وعقد العزم علي مواصلة رحلة العودة الي إيثاكا بعد أن أيقظ الدبابير الهاجعة في أعشاشها، لتطير بشكل غوغائي وتلسع الجميع من دون استثناء.
ظل رؤوف مسعد وفياً لمفهوم الكتابة الجديدة الذي صاغه مع نخبة من جيله الستيني. وكان الأجرأ في كسر الأطر التقليدية المتعارف عليها في بناء الرواية الكلاسيكية التي تتوفر علي زمان ومكان وحدث، وبداية ووسط ونهاية، مع مراعاة الشرط الأرسطي القائم علي السبب والنتيجة، وما ينجم عنهما من إقصاء للقارئ العضوي المندمج في الحدث، والمشارك في صناعته. لا أستغرب شخصياً إن قال رؤوف مسعد إنه كاتب حالات، وليس كاتب حواديت فـ الحدوتة تقيّده بمساحة ضيقة لا يستطيع فيها أن يلتقط أنفاسه، أما الكتابة عن حالات معينة فانها تقوده الي مساحات حرة مفتوحة كما فعل في سيرتيه الذاتية- الروائية إيثاكا حيث تناول فيها مجمل الحالات الإشكالية التي تنتابه وتؤرقه ليل نهار مثل المثلية الجنسية، والسادية، والمازوشية، والاستعراضية، والبايسكشول، والافتراس، والفيتيشيزم، أي التعلّق بالأعضاء غير الجنسية، مثل التولّه بالأقدام، والجنس الجمعي وما الي ذلك. وهو لا يري في هذه الحالات، علي مدار النص، انحرافاتٍ أو شذوذاً أو أمراضاً، وإنما محاولات لتحقيق اللذة المتسامقة، كما أنه لا يجد ضيراً في أن تستفيق الأثني الكامنة في داخله، وتبحث عن تحقيق ملذاتها الجسدية والروحية والذهنية. فالإيروتيك من وجهة نظره ليس فعلاً في الجسد، ولكنه فعل في العقل أيضاً .
يعوِّل رؤوف مسعد كثيراً علي تقنية الاستعادة الذهنية التي تعتمد علي قطع الحدث ثم المعاودة إليه لاحقاً، وليس صحيحاً أنه ينتقل بلا قواعد بين الأزمنة والأمكنة لأنه لا يُحسن كتابة نص روائي متماسك محبوك قائم علي الزمان والمكان والحدث والشخصيات وسواها من شروط وعناصر اللعبة الروائية. ولعل سيرته الذاتية- الروائية إيثاكا هي خير مثال لما نذهب إليه. فعلي الرغم من محاولاته المستميتة لتقويض الجدران التي تقوم عليها البنية السيرية الروائية إلا أن القارئ الحصيف يستطيع أن يتتبع المسارات والخيوط الخفية التي تربط أحداث النص، وتكشف عن شبكة علاقاته الداخلية التي تتأسس علي استهلال وذروة وخاتمة منطقية للنص. فمثلما نري الصبي الصغير الذي يقْلب كفه للحافة الحادة لمسطرة المعلمة من دون أن يستعطفها أو يبكي أمامها، نراه في خاتمة النص، وهو يفرد يده، ويكز علي أسنانه كي يكتم ألمه الحاد وهو يري صورة غائمة تتجلي رويداً رويداً لوجه مبتسم تزيّنه غمّازة في الخد. وبين ظهور سعاد حسني الأول واختفائها بعد الظهور الأخير تمتد رحلة الراوي الي إيثاكا ، وخلال سنوات الرحيل يكشف لنا هذا الكائن السيري عن أهم الأحداث الصادمة، والوقائع المتفردة التي شكلت تاريخه الشخصي. وللمناسبة فالوصول الي إيثاكا ليس مهماً. المهم هو الرحلة ذاتها، وما تنطوي عليه من مفاجآت مدهشة، وأحداث تُغْني تجربته الشخصية، وترفعه الي مصاف الحكماء.
تكشف الصفحات الأُوَل من إيثاكا بأن الراوي يتحدث عن تلميذ صغير يخرج عن السطر دائماً، ولا يمشي عليه رغم العقوبات المتتالية التي تنهال عليه من معلمته، قاسية القلب ولا شك في أن المعني المجازي للخروج عن السطر واضح لأنه يحمل في طياته معني التمرد السياسي والديني والأخلاقي. وربما يكون هذا التمرّد هو البذرة المناسبة التي ستتفتق عنها الحالات التي يتعاطي معها الراوي أو الكائن السيري مستعيناً ببعض الشخصيات المقربة منه، والحميمة الي قلبه وروحه وذاكرته المتوهجة. فلا غرابة أن يستدعي سعاد حسني التي طيّروها قبل أوانها، ولكنهم لم يعرفوا بأنها لم تختفِ نهائياً، فها هي تستجيب كلما استدعاها الراوي الذي يتمتع بميزات عديدة أبرزها قدرته علي التنبؤ واستدعاء الغائبين. أما خصاله الأخري فهي عديدة أيضاً لعل أبرزها البحث عن الملذات المستحيلة عبر الشطح والخيال، أو الافتراس عن طريق ثنائية الصياد والضحية. وهناك سمات أخري ستتضح من خلال متابعتنا لمسار هذه الشخصية الإشكالية، والمثيرة للجدل، خصوصاً إذا ما عرفنا بأن الراوي هو الكاتب نفسه، وأن الكثير من شخصيات النص الأدبي هي شخصيات حقيقية موجودة علي أرض الواقع مثل الراحلة سعاد حسني، والفريق أول هلال عبد الله هلال الذي ترأس محاكمة الشيوعيين المصريين وأصدر عليهم احكاماً قاسية بالسجن، ومن بينهم الروائي رؤوف مسعد، ثم هرب هذا الفريق لاحقاً في سيناء وترك جنوده يواجهون مصائرهم المحتومة، لكنه لم يفلت هو أيضاً من المحاكمة والعقاب.
يعرّي النص السيري كل أشكال القمع الذي تعرَّض له المثقفون والمفكرون والسياسيون المصريون والعرب منذ الستينات من القرن الماضي وحتي يومنا هذا، ويكفي أن نشير هنا الي سليمان الحلبي، وعمر مكرّم، وشهدي عطية، والشيخ ياسين، ومحمود محمد طه، وعبد الخالق محجوب، وفرج الله الحلو، وفهد العراقي، واميل حبيبي، وشبل الطنطاوي، وسيد قطب، وسمير قصير، وجورج حاوي، وقائمة طويلة من الضحايا والمغيبين والشهداء الذين تحتفظ بهم السيدة المغدورة سعاد حسني التي طيَّرها قبل أوانها المقبور صلاح نصر. لم يتوقف رؤوف مسعد عند الجانب السياسي وما يتخلله من وحشية وقسوة وعنف، بل تعداه الي ملف الحريات الشخصية، وحقوق الإنسان، وبالذات فيما يتعلق بحادثة كوين بوت و المثليين الذين أُطلق عليهم في مصر لقب الشاذين جنسياً و عبدة الشيطان وتسميات أخري تنطوي علي معاني الازدراء، والاحتقار، والحط من الكرامة الإنسانية لاعتيادهم علي ممارسة الفجور .
لم تهدأ تداعيات هذه الحادثة حتي الآن، فالمؤلف يري أن السلطات المصرية تمارس نوعاً مخيفاً من الكذب والمداهنة والتضليل وإخفاء الحقائق حيث تدعي أن قانونها لا يوجد فيه أي نص يحرِّم الشذوذ الجنسي بينما قال رئيس مجلس الشعب المصري أمام البرلمان الأوروبي إن القانون الجنائي المصري لا يتضمن أي عقاب للمثليين، حيث أن قانون البلد لا يتدخل بأي شكل في شؤون الأفراد الخاصة . (ص219، إيثاكا) بينما يكشف تقرير هيومان رايتس ووتش كذب هذه المزاعم والادعاءات التي استقاها المؤلف من المدوّنات المصرية وأهمها مدوَّنة منال وعلاء ومن الاعترافات الخاصة التي أدلي بها بعض الضحايا الذين تمكنوا من الوصول الي هولندا، وكشفوا عن الأساليب الوحشية المروّعة التي استعملتها أجهزة الامن والشرطة المصرية أثناء التحقيق مع الضحايا. ولو وضعنا جانباً كل ما يتعلق بالجانب السياسي، وحقوق الإنسان، والمدوَّنات المصرية التي أتاحت للمختلفين أو الذين يغرِّدون خارج السرب أن يعبِّروا عن آرائهم وهمومهم وتطلعاتهم الشخصية بحرية كبيرة غير مسبوقة من قبل، فإن النص السيري يتضمن إشكاليات كثيرة لا يمكن تغطيتها في مقال واحد ذي مساحة محدودة.
تشكِّل المثلية الجنسية واحداً من الأعصاب النابضة في سياق المتن السردي. فالكائن السيري يري فيها حقاً شخصياً ولا يجوز حرمان الشخص المثلي من التمتع بهذا الحق الذي كفلته الدساتير الأوروبية. وفي السيرة الذاتية- الروائية نصادف العديد من الشخصيات المثلية كالراوي والمرمم شين والنفساني وعدد آخر من الشخصيات التي نلتقيها في الحفلات الافتراسية أو نوادي ممارسة الجنس الجمعي، ولا غرابة في أن يبحث المثلي عن الأنوثة الكامنة فيه، أو المقموعة بداخله بفعل العوامل الدينية والاجتماعية والأخلاقية وهو ما يطلق عليها غريزة الصياد والفريسة أو التحوّلات بين الذكورة والأنوثة، ويعلل هذه التقلبات بأن إيروسا السوداء هي نصفه الانثوي وأنه نصفها الذكري. وعندما نقطع الشك باليقين بأن الراوي مثلي ويجد لذته في ثنائية الصياد والفريسة فإن الصدمة الثانية التي يكشفها لنا هي ممارسته للجنس الجمعي. فبعد وفاة والديه اصطحبه أحد الرجال الذين يسكنون أطراف المدينة لكي يعمل في البنسيون، ويساعد زوجته الشابة في أعمال المنزل. ولم يمضِ وقت طويل حتي تتكشف لنا حقيقة ممارستهم للجنس الجمعي، إذ تقاسم مع الرجل فراش زوجته ثلاثة أيام في الأسبوع علي أن تحدد الزوجة مع منْ تنام في اليوم السابع. ثم نكتشف بأنه بايسكشويل لكن ليس بمعني الخنثي ولكن بمعني الرجل الذي تكمن في داخله أنثي مقموعة، لذلك فهو يحتاج الي دور المثلي السلبي ليحقق نوعاً آخر من المتعة المفقودة. ولذلك فقد قطع الرواي شوطاً طويلاً وهو يضع قناعاً نسوياً، ويرتدي ملابس نسائية، بينما كانت صديقته تضع قناعاً رجالياً، وترتدي ملابس رجالية بحجة إقناع الشخصيتين الذكورية والأنثوية القابعة في أعماق كل منهما علي حدة. وقد اعترف الراوي لطبيبته النفسانية بأنه شعر بالرقة والأنوثة والتفوق حينما تقمص دور الأنثي، مما دفعه لأن يخلع القناع، ويضع مكياجاً كاملاً، ويرتدي شعراً مستعاراً، لكنه مع صعوده السلّم الاجتماعي حرق الأقنعة والشعر المستعار وأدوات الزينة، وقرر أن يأكل ما يعجبه، ويلبس ما يعجب الناس .
لا تخلو شخصية الراوي أو الكائن السيري من النزعتين السادية والمازوشية أو الأس أَميّة كما يحلو له أن يسمّيها، فقد كان يسوط صديقته بحزام جلدي علي بعض المناطق الحساسة التي تستجلب اللذة عن طريق الألم. وإذا كانت هي تضربه ضربات خفيفة علي فخذيه فإنه كان يضربها، نزولاً عند رغبتها، بقوة علي أي جزء من مساحة جسدها المثير. الشيء الوحيد الذي كانت تعترض عليه صديقته هو الصفع علي الوجه، لأن الصفعة تعبير عن الازدراء والمهانة. حينما سافر الراوي الي أوروبا، واستقر به المقام في سويسرا تعرف علي راقصة في بار، وتبين له أنها مثله فيتيشية مولعة بالأقدام، ثم تعرَّف علي معلمة الرياضيات التي تحدث لها عن الجنس الجمعي مع صاحب البنسيون وزوجته الشابة، فلم تجد هذه المعلمة السويسرية ضيراً في أن تمارس معه الجنس وتُشرك معهما صديقتها الجميلة التي جلبت زوجها لاحقاً لحفل المتعة الجماعية. ولا بد من الإشارة الي أهمية فتاة الكورنيش التي استجابت له الي الدرجة التي استطاع من خلالها أن يحرر قدمها من اسار الجسد! كان الراوي يستذكر التدقير وهو الالتصاق بالنساء من الخلف في الباصات والترامات المكتظة. وكان يعرف جيداً هذا النمط من النساء اللواتي يستجبن للتحسس في الأماكن المزدحمة. وكان يقضي وطره في اللحظات السريعة التي يكون في المكان في أوج اكتظاظه.
يهيمن الموت علي مساحة غير قليلة من السيرة الذاتية-الروائية، ومع ذلك فإن الراوي يصفه بـ هادم الانتصابات ومفرّق الأجساد وربما يتحامل هذا الراوي المسيحي البروتستانتي علي الأديان كلها، فهو لم يمارس مسيحيته إلا تحت الوعيد والتهديد، ولم يذهب الي مدرسة الأحد مُخَيراً وإنما ذهب إليها مُجبراً. لم يحب الراوي سليمان الحكيم لأنه قال ذات مرة أدِّب ابنك بقضيب من حديد لكنه أحبَّ نشيد الإنشاد لما يتوفر عليه من صور حسيّة.
يعتقد الراوي أن الروح تستمر في حيوات وأجساد المحظوظين الجريئين القادرين علي البوح الذين لا يمشون علي السطر. وهؤلاء غالباً يتم اصطفاؤهم من هــــــذه النخبة المحظوظة التي لا تقيّد نفسها، ولا تقمع الآخرين.
لم يحب مدرسة الأحد لأنها كانت تهيئهم للموت كل ليلة، كما أنها كانت تلقنهم الآيات المُحرضة علي ترك غوايات الجسد عن طريق التبتل الممل، فيما تشكل هذه الغوايات الجزء الأكبر من ولعه واهتماماته السرية والعلنية.
ينتهي النص حينما تقوده إيروسا الي الكوخ حيث تظهر له سعاد، وتطلب منه أن يحكي لها حكاية ما، فسرد لها قصة الصبي الذي كان يخرج عن السطر فتضربه المعلمة بحافة المسطرة. ثم حكي لها عن هواجس الولد الذي صار كهلاً ومع ذلك لم تتحقق كل رغباته. حكي لها عن إيروسا وناتاشا والمعبد البديل وقصة كوين بوت وما جري في أقسام الأمن وشرطة الآداب، ثم التمس منها أن يلقي نظرة علي المنتظرين الذين لم تصل ملفاتهم بعد حتي هذه اللحظة. وطلب أن يري صديقه المرمم الذي طيّروه كما طيّروا سعاد من الشرفة الغارقة في ليلها اللندني، لكي يسأله عن طبيعة حياتهم في ظل الانتظار الطويل، ويرجوه أن يحجز له مكاناً ما بين المنتظرِين غير أن صديقه المرمم الذي كان يرمم الحكايات الناقصة ذكره بإيثاكا، وقال له بأن الوصول إليها هو قدرك ونصيبك، فلا تنتظر منها شيئاً سوي الرحلة المدهشة المليئة بالمفاجآت.
لم أستطع الوقوف عند كل التفاصيل الإشكالية الدقيقة التي تتعلق بغوايات الجسد التي وردت في متن النص لكي لا أستفز بعض القرّاء الكرام الذين يجدون في هذا الكلام خدشاً للذائقة العامة أو خروجاً علي بعض الثوابت الدينية والأخلاقية مع أن واجبي النقدي يقتضي أن ألامس المناطق المحظورة وأتصدي لها بعين نقدية لا تجد في هذه الأمور حرجاً. ومع ذلك فأنا أدعو القارئ الكريم لقراءة هذا النمط من الكتابة الإيروتيكة لكي يكتشفها بنفسه، ويحكم عليها وفقا لذائقته النقدية والأدبية. وأنا موقن تماماً بأن الأذواق مختلفة، ولا يمكن لها أن تتطابق، فـ لو تطابقت الأذواق لبارت السلع .
تحرّض إيثاكا قارئها علي الدخول في غابة الأسئلة الفلسفية المحيِّرة علي الرغم من أن هذه الأسئلة قد ترد علي لسان طفل يحلو له أن يعرف الفرق بين جَنَّة المسلمين المزدانة بالفواكه والحور العين و فردوس المسيحيين التي تضج بالمرتلين والمُنشدين كما تقول معلمة مدرسة الأحد طبعاً! حاول الراوي مذ كان طفلاً أن يعرف كُنْه الموت، وأين تذهب الأرواح الخالدة بعد أن تتفتت الأجساد الفانية؟ ولماذا تطير هذه الأرواح الي السماء، وليس الي مكان آخر؟ يتذمر رؤوف مسعد أحياناً حينما يصفه بعض النقاد بأنه كاتب ايروتيكي، وهو كذلك لأن هذه المنطقة هي مدار اهتمامه الرئيسي، وقد كرّس أربع أعمال أدبية سيرية لهذا الجانب وهي بيضة النعامة ، مزاج التماسيح ، غواية الوصال و إيثاكا . فلا أجده مُحقاً حينما يقول إنني لست كاتباً إيروتيكياً ممسوساً بالجنس. أنا ممسوس بهواجس أخري كالحياة والموت والظلم والأقليات والمُهمَّشين ولا يستطع أحد أن يجرّد أعمال مسعد الأدبية من المحاور الفلسفية والفكرية والثقافية والاجتماعية، ولا ينكر عليه اهتماماته وهواجسه الأخري، وخصوصاً تلك التي تتعلق بثقافة الأقليات العرقية والدينية التي أجبرته في مزاج التماسيح أن يدمج عملين أدبيين في كتاب واحد انطوي علي الكثير من اللبس والتشويش والارتباك بسبب خشيته من القمع الذي تمارسه السلطة في رابعة النهار.
يعقد رؤوف مسعد مقارنة ظريفة علي صفحات إيثاكا بين اختزال الأديان السماوية في فكرة النهر أو التعميد أو التطهير ولا يلقي هذا الاختزال رفضاً أو اعتراضاً، بينما يعترضون علي فكرته في اختصار الجنس واختزاله في جزء محدد من الجسد كأن يكون الكف أو القدم أو بطة الساق.
وفي ختام هذه القراءة النقدية أستعير من كوليرج فكرته الثاقبة التي تقول إن حياة الإنسان مهما كانت تافهة، ستكون مُمتعة إذا رُويت بصدق وأجزم بأن السمة الأساسية في أعمال رؤوف مسعد هي الصدق والصراحة والجرأة الخارجة عن المألوف.
كاتب من العراق
اسم الكتاب: إيثاكا
المؤلف: رؤوف مسعد
دار النشر: ميريت، القاهرة
الطبعة الأولي 2007

1 comment:

Persephone said...

Elly and Raouf - you've been memed. http://whatpossessedme.blogspot.com/2007/09/seven-questions.html

Obnoxious, I know. But I miss your posts!